أحمد بن محمد مسكويه الرازي

تصدير 10

الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )

وإذن فليست الحكم صيغا نهائية ، وليست نواميس ثابتة للسلوك ، بل هي بالأحرى بواعث إلهام واستلهام ، ودواعي توجيه والتزام ؛ ولن تأتى أكلها إلا إذا أضحت صورا حية متطورة متجددة في نفس متمثلها . والكتاب الذي بين أيدينا الآن ، كتاب « جاويدان خرد » ، الذي اختار ما فيه أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب الملقب ب « مسكويه » ، قد استودع طائفة ممتازة من الحكم الشرقية الخالصة : الإيرانية ، والهندية ، والرومية الشرقية المنحولة ، والعربية والإسلامية . وفيه - من أجل هذا - خير مرآة للروح الشرقية عامة ، وروح الحضارة العربية السحرية - بالمعنى الذي لهذا اللفظ عند اشبنجلر بخاصة ، ممثلة في ذلك النوع الأدبي الذي يعد خير معبر عن حقيقة تلك الروح . ونستطيع أن نلخص الملامح البارزة لهذه الروح كما نستنبطها من هذه المجموعة من الحكم على النحو التالي : 1 - أن لل « كلمة » سحرا خاصا في الروح الشرقية ، تستهويها وتجد فيها العزاء عن الواقع الأليم الذي تحيا فيه تاريخيا . فالاستبداد الذي كان نوع الحكم السائد في البلاد الشرقية لم يجد متنفسا له لدى المستضعفين في الأرض « والمغلوبين على أمورهم » إلا عن طريق هذه « الكلم القصار » يرسلونها كالسهام المسمومة في صدور الحكام ، دفعا في وجه الطغيان . ومن هنا كثرت النصائح المتصلة بالحكام والولاة والملوك : تارة تكون على هيئة مواعظ توجه إليهم ليطامنوا من طغيانهم ويرعوا جانب الرعية البائسة ، وأخرى على صورة حكم صادرة من هؤلاء الملوك والحكام أنفسهم يكفرون فيها - بالقول ! - عما تجترحه أيديهم من مآثم في حق الرعية . وهذه الحكم لم تصدر عنهم في أغلب الأحوال ، إن لم يكن فيها كلها ، بل صدرت عن هؤلاء البائسين المضطهدين أنفسهم ، شفاء لجروحهم النفسية البالغة . فستجد في هذا الكتاب كثيرا من الحكم المنسوبة إلى الملوك ، وإلى بعض ملوك الفرس بخاصة مثل كسرى أنوشروان وكسرى قباذ ووزرائهم ، وليس لها أي سند من الحقيقة التاريخية ، بل هي من ذلك النوع من الأدب العام الشائع في هذه الأوساط ومما ألف بعد زمان أصحابها المزعومين بأجيال طوال . والدواعي لإنشائها عديدة ، منها :